اسماعيل بن محمد القونوي

121

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( وإن يفعل بهم ما يفعل بالمؤمنين من الإكرام ) كحقن الدماء وسلامة الأموال والأولاد ( والإعطاء ) أي إعطاء السهم من المغانم ( وأن يختلطوا بالمسلمين ) ومشاركة المسلمين في عموم الأحكام وكان الأمر كذلك إلى أن ظهر حالهم بين الأنام . قوله : ( فيطلع على أسرارهم ويذيعوها ) أي يظهروها الإذاعة بالذال المعجمة والعين المهملة الإظهار والإفشاء ( إلى منابذيهم ) أي أعداء المسلمين المنابذة المعاداة وإظهار العداوة كأن كلا ينبذ إلى صاحبه عهده ويرميه وما يخادعون إلا أنفسهم ( إلى غير ذلك من الأغراض والمقاصد قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو ) أي يخادعون من المفاعلة قراءة هؤلاء المشايخ أي هذه قراءة نافع الخ قوله ( والمعنى ) أي المعنى المراد ( أن دائرة الخداع راجعة إليهم ) أي ضرر الخداع والإضافة لكونه سببا له وإنما عبر عنه بالدائرة للإشعار بأنه محيط بهم كإحاطة الدائرة التي هي عبارة عن الخط المستدير بالسطح المحاط بحيث لا يفوت المحاط المحيط وإلى ذلك أشار بقوله ( وضررها ) أي المخادعة ( يحيق بهم ) أي يحيط بهم فإنه عطف تفسير له وإنما لم يكتف به مع أنه المراد واختار الإطناب لبيان ما فيه من المبالغة البارعة ولو قال راجعة إليهم فقط إفادة للحصر لكان البيان في الذروة العليا ومعنى القصر في مثل هذا مفهوم الكون مخادعا بفتح الدال مقصور على أنفسهم وذواتهم لا تتجاوز إلى من سواهم فهو من قبيل قصر الصفة بهذا التأويل لا قصر الخداع على أنفسهم فإن هذا التأويل لازم في قصر الفعل المسند إلى الفاعل على المفعول وبالعكس كما صرح به قدس سره في حاشية المطول في بحث القصر الدائرة في الأصل اسم لما قوله : ويذيعوها إلى منابذيهم أي يشيعوها إلى مخالفيهم وأعدائهم والمنابذة اظهار العداوة كان كلا منهما ينبذ ما في قلبه من العداوة وفي الأساس نبذ إلى العدو رمى إليه بالعهد ونقضه ونابذه منابذة . قوله : والمعنى أن دائرة الخداع عليهم وفي الكشاف يجوز أن يراد بقوله وما يخادعون إلا أنفسهم وما يعاملون تلك المعاملة المشبهة بمعاملة المخادعين إلا أنفسهم لأن ضررها يلحقهم ومكرها يحيق بهم كما تقول فلان يضار فلانا وما يضار إلا نفسه أي دائرة الضرر راجعة إليه وغير متخطية إياه وأن يراد حقيقة المخادعة أي وهم في ذلك يخدعون أنفسهم حيث يمنونها الأباطيل ويكذبونها فيما يحدثونها به وأنفسهم كذلك تمنيهم وتحدثهم بالأماني ويجوز أن يراد وما يخدعون فجيء به على لفظ يفاعلون للمبالغة قال القطب الوجه الأول مبني على أن المراد أثر المخادعة ولازمها على سبيل المجاز فعلى هذا في الكلام مجاز على مجاز كما في قوله : إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها [ الإسراء : 7 ] فكأنه قيل وما يضرون إلا أنفسهم وأما صيغة المفاعلة فللمشاكلة لما قالوه والثاني على أن يراد حقيقة المخادعة على طريق التجريد يجردون من أنفسهم أشخاصا يخادعونهم كما يخادعون الغير مثل ما تجرد من نفسك شخصا تخاطبه كخطاب الغير كقوله : وهل تطيق وادعا أيها الرجل وقوله : تطاول ليلك بالإثمد والثالث على أن يراد يخدعون وهو أيضا تجريد لكن من جانب واحد يجردون من أنفسهم أشخاصا يخدعونه كذا ذكره ابن الأثير .